سيد محمد طنطاوي
188
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم مدحه - ثالثا - بقوله : * ( فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ ) * أي فيه علامات ظاهرات ، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته ، وعلو مكانته . وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه . ثم بين - سبحانه - بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه فقال : * ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ) * . فالآية الأولى الدالة على عظم وشرف البيت الحرام * ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) * أي المقام المعروف بهذا الاسم . وهو الموضع الذي كان يقوم فيه إبراهيم تجاه الكعبة لعبادة اللَّه - تعالى - ولإتمام بناء الكعبة ومعنى أن في البيت مقام إبراهيم أي أنه في فنائه ومتصل به . قال ابن كثير : عن جابر - رضى اللَّه عنه - أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين . والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار . . . ثم قال : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك . وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ناحية المشرق حيث هو الآن . ليتمكن الطائفون من الطواف ، وليصلى المصلون عنده دون تشويش عليهم من الطائفين « 1 » . وقوله : * ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) * مبتدأ محذوف الخبر أي مقام إبراهيم منها أي من هذه الآيات البينات . أو خبر لمبتدأ محذوف أي فيه آيات بينات أحدها مقام إبراهيم . وقد رجح ابن جرير أن قوله - تعالى - * ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) * هو بعض الآيات البينات التي في البيت الحرام فقال : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم . وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما فيكون الكلام مرادا فيه منهن فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها . فإن قال قائل : فهذا المقام من الآيات البينات فما سائر الآيات التي من أجلها قيل * ( آياتٌ بَيِّناتٌ ) * ؟ قيل : منهن المقام ، ومنهن الحجر ، ومنهن الحطيم » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 170 بتصرف وتلخيص . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 11 .